عبد الوهاب الشعراني

35

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

السنة ولا نتركها في وضوء واحد ، ونقولها بحضور تام ونستحضر معاصي كل عضو عند غسله ، ونتوب منها مع الغسل ، ليطهر باطننا بالتوبة وظاهرنا بالماء ، فكما لا تكفي طهارة الباطن عن الظاهر فكذلك لا تكفي طهارة الظاهر عن الباطن كما أشار إليه أمره صلى اللّه عليه وسلم ، المتوضىء بالشهادتين ، فإن الماء يطهر الظاهر والشهادتين يطهران الباطن ، فكأن المتوضىء أسلم إسلاما جديدا وتاب من ذنوبه كما تاب من أسلم من ذنب الكفر فافهم . وقد روى مسلم وأبو داود وابن ماجة مرفوعا : « ما منكم من أحد يتوضّأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثمّ يقول : أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله إلّا فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء » . زاد في رواية أبي داود : « ثمّ يرفع طرفه إلى السّماء ثمّ يقول » . فذكره وزاد في رواية له أيضا بعد قوله : ورسوله : « اللّهمّ اجعلني من التّوّابين واجعلني من المتطهّرين » الحديث . والأحاديث في أذكار أعضاء الوضوء وبعد الوضوء محررة في كتب الفقه واللّه تعالى أعلم . [ الركعتين بعد كل وضوء : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نواظب على الركعتين بعد كل وضوء بشرط أن لا نحدث فيهما أنفسنا بشيء لم يشرع من أمور الدنيا أو بشيء لنا في الصلاة ، ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حتى يقطع عنه الخواطر المشغلة عن خطاب اللّه تعالى . واعلم أن حديث النفس المذموم ليس هو رؤية القلب لشيء من الأكوان كما توهمه بعضهم ، فإنه ليس في قدرة العبد أن يغمض عين قلبه عن شهود أنه في مكان قريب أو بعيد من بستان أو جامع أو غير ذلك ، فإن في حديث « الصحيحين » أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت الجنّة والنّار في مقامي هذا » . وكان ذلك في صلاة الكسوف ، فلو كان ذلك يقدح في كمال الصلاة لما وقع له صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، وحمل بعضهم ما وقع له صلى اللّه عليه وسلم على قصد التشريع لأمته بعيد . وأما ما نقل عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من تجهيزه الجيوش في الصلاة ، فذلك لكماله ، لأن الكمل لا يشغلهم عن اللّه شاغل مع أن ذلك كان في مرضاة اللّه عز وجل ا ه . فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح يشغلك باللّه تعالى حتى يقطع عنك حديث النفس في الصلاة كقولك أروح لكذا أفعل كذا أقول كذا أو نحو ذلك وإلا فمن لازمك حديث النفس في الصلاة ، ولا يكاد يسلم لك منه صلاة واحدة لا فرض ولا نفل ، فاعلم ذلك وإياك أن تريد الوصول إلى ذلك بغير شيخ كما عليه طائفة المجادلين بغير علم فإن ذلك لا يصح لك أبدا . [ مقالة الجنيد للشبلي : ] ( وقد قال الجنيد يوما للشبلي ) وهو مريد : يا أبا بكر إن خطر في بالك من الجمعة